ابن قيم الجوزية
475
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
اللّه من هذه الأقوال وقائلها إلا من حقّ تتضمنه مقالة كل فرقة منهم ، فنحن به قائلون ، وإليه منقادون ، وله ذاهبون . فصل الأصل الأول : إثبات عموم علمه سبحانه ، وإحاطته بكل معلوم ، وأنه لا تخفى عليه خافية ، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض ، بل قد أحاط بكلّ شيء علما ، وأحصى كلّ شيء عددا ، والخلاف في هذا الأصل مع فرقتين : إحداهما : أعداء الرسل كلهم ، وهم الذين ينفون علمه بالجزئيات ، وحاصل قولهم أنه لا يعلم موجودا البتة ، فإن كل موجود جزئي معين ، فإذا لم يعلم الجزئيات ، لم يكن عالما بشيء من العالم العلوي والسفلي . والفرقة الثانية : غلاة القدرية الذين اتفق السّلف على كفرهم ، وحكموا بقتلهم ، الذين يقولون : لا يعلم أعمال العباد حتى يعملوها ، ولم يعلمها قبل ذلك ، ولا كتبها ، ولا قدّرها ، فضلا عن أن يكون شاءها وكوّنها . وقول هؤلاء معلوم البطلان بالضرورة من أديان جميع المرسلين وكتب اللّه المنزلة ، وكلام الرسول صلى اللّه عليه وسلم مملوء بتكذيبهم وإبطال قولهم وإثبات عموم علمه الذي لا يشاركه فيه خلقه ، ولا يحيطون بشيء منه إلا بما شاء أن يطلعهم عليه ، ويعلمهم به ، وما أخفاه عنهم ولم يطلعهم عليه ، لا نسبة لما عرفوه إليه إلا دون نسبة قطرة واحدة إلى البحار كلها ، كما قال الخضر لموسى وهما أعلم أهل الأرض حينئذ : ما نقص علمي وعلمك من علم اللّه